بحث

02/07/2014

فتوى مباراة الجزائر وألمانيا: الزمزمي يقول إيذن لي ولا تفتني


     


تداولت المواقع الإجتماعية يوم الإثنين الماضي فتوى تأخير صلاة العشاء وصلاة التراويح في الجزائر..
فتوى أصـدرها عضو المجلس العلمي للإفتاء بوزارة الشئون الدينية والأوقاف، "الدكتور" كمال بوزيدي، وأجازها "الفقيه" المغربي عبد الباري الزمزمي. 
وقد كان بالإمكان الطعن في المفتي و المجيز قبل صدور الفتوى بسبب عدم كفاءاتهما في الإفتاء في هذه النازلة، لسبب بسيط، هو أنه من المحتمل جدا أنهما لا يفقهان شيئا في كرة القدم. وهذا الإحتمال تأكد بمحتوى الفتوى حيث أنها دلت بوضوح عن عدم دراية كلا من المفتي والمجيز بمقومات الآلة الألمانية وإنجازاتها الأخيرة على مستوى القارة العجوز، ظانين أن تشجيع شعب الجزائر لفريقهم ونصرتهم إياه قد يكون سببا في انتصاره على الألمان. 

أرجو  ألا تعتقد أن هذه النظرية النسبية هي التي جعلتني أكتب هذه الأسطر. فقد كانت صدمتي كبيرة ليس فقط  بخصوص هذه الفتوى وإنما بالصمت الذي رافقها خاصة من طرف أهل العلم في هذه البلاد السعيدة.
 فقررت أن أدق ناقوس الخطر، و أن استنتج أننا قد لمسنا قعر الحضيض كمسلمين، وأن الإسلام في شخص "علمائه" لا يمكن أن يتدهور إلى مستوى أدنى من الذي وصلنا إليه الآن. 

ولكي لا نختلف أنا وأنت ، أقترح أن نتفق مسبقا على أرضية مشتركة، أظن أن لها أساسين إثنين:
  1. إذا لم تكن مسلما، أو إذا كنت غير ملتزم بتعاليم الإسلام، ولا تحمل همّا يكدر صفو فؤاذك تجاه الإسلام وأحوال المسلمين، أو إذا كنت ممن يقدس كرة القدم، وتحترم مواعيد المقابلات أكثر مما تحترم مواعيدك في مجتمعك، فاعلم  أن هذا المقال لا يهمك في شيء، ولست مجبرا على إتمام قراءته حتى لا تضيع وقتك الثمين.
  2. إعلم أننا متفقين على أن للصلوات الخمس مجالات زمنية لآدائها، وأن  وقت صلاة العشاء يبدأ إثر مغيب الشفق الأحمر و يمتد وقتها إلى منتصف الليل. وعليه فيجوز تأخيرها في إطار ذلك الحيز الزمني.
إذا اتفقنا على هذه الأرضية، بإمكاننا المضي قدما في توضيح الخطر الذي تشكله هذه الفتوى ومثيلاتها، وأبعاد هذا الخطر في الحاضر والمستقبل.
بداية، لنقم بتحليل بسيط لفحوى الفتوى، ولندرس كل نقطة من نقاطها على حدة :
  • المفتي والمجيز أجازا تأخير فريضة معطيان بذلك الأولوية لمقابلة لعب كرة القدر
  • ذريعة المجيز هي تفادي فتنة المصلي عبر انشغاله بالمقابلة وأدائه للصلاة وهـو غير مطمئئن البال
  • المفتي شبه العمل الناتج عن فتواه ب "الجمع بين الحسنيين"
تأخير الفريضة من أجل اللعب: 
كيف يعقل أن تعطى الأولوية  للعب واللهو على حساب فريضة الصلاة التي تطلّب الحكم بوجوبها رحلة خارج أبعاد الكون عند سدرة المنتهى، وتُشكل العمود الأساسي لهذا الدين، باعتبارها شرطا بدونه ينتفي الإنتماء إليه؟
المسلم العادي  الذي يقرر من تلقاء نفسه تأخير الصلاة حتى يشاهد المباراة، قد يعلم في قرارة نفسه أن فعله خاطئ. ولكن يبقى فعله ذلك أمرا خاصا بينه وبين ربه. 
لكن أن يتجرأ مجلس علمي جزائري و "فقيه" مغربي على إجازة تسبيق الملاهي على الفرائض، فذلك يعتبر كارثة لم يسبق للأمة أن شهدتها، باعتبار أن تلك الفتوى ستفتح بابا من الشر قد لا يغلق أبدا: فكل من هو مغرم بأحد أنواع الملاهي والألعاب سيجد ضالته في هذه الفتوى وسيقوم بتأخير صلاته وهو مرتاح البال، وتصبح جميع الأعذار مستساغة لتأخير الصلاة، بل لتأخير كل الفرائض.

عذر تفادي فتنة المصلي:
بموجب هذه الفتوى، يصبح لكل واحد الحق  في ترك أداء الفرائض بحجة عدم الإطمئنان:
هناك سهرة لمغني مشهور تحبه حبا جما وستدوم سهرته من صلاة المغرب حتى الفجر. لا عليك!
بإمكانك تأخير صلاتي المغرب والعشاء حتى نهاية السهرة. وما دمت لن تكون مطمئن البال بعد عدة ساعات من الرقص والقفز. فدع عنك المغرب والعشاء وحتى الفجر. ولا تقربن الصلاة حتى تكون  مطمئن البال. نم حتى ترتاح و تسترجع قواتك و هدوءك.. 
هناك سباق كلاب سيجرى بعد الزوال وقد لا ينتهي قبل العشاء. لا تحزن على الصلاة!..إجمعها وتوكل!
أفرطت في شرب الخمر، ولم يتبق من شعبان غير بضعة أيام. لا توجس خيفة!.
إذا كنت لا تحس بالإطمئنان وراحة البال، فما عليك إلا تأجيل صيام رمضان، حتى تكون مستعدا لذلك. و ليس عليك من الوزر شيء. بل ستكون ممن "جمع بين الحسنيين" بإذن الله.
ولك أن تقيس على ذلك ما شئت من النوازل والعوارض.
قبح الله الجهل!
بخصوص هذه النقطة بالذات، لا يفوتني أن أنـوّه  بمجهـودات "الفقيه" الزمزمي في تسفيه الدين وإعطائه الفرص تلـو الأخرى للمغرضين من خلال فتاويه حتى يستهزؤوا بالدينوقد ختم سلسلته بإيجاز هذه الفتـوى، حيث فتح بابا واسعا من التساهل المناقض للإعتدال وأسدى جميلا لن ينسى لأخطر عدو يهدد جسد هذه الأمة باتخاذه لمبدأ "إيذن لي ولا تفتني" شعارا لفتاويه.
يقول الله سبحانه وتعالى:
وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ

                                                                                   التـوبة 49

الجمع بين الحسنيين:
كلمة الحسنيين ذكرت في القرأن الكريم:
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ
               التـوبة 52

وتعني: النصر والشهادة وتخص المجاهد في سبيل الله.
فبالله عليكم، هل من اللائق تشبيه، تأخير الصلاة ومشاهدة لعبة كرة القدم، بالنصر والشهادة !؟؟
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال:

إنَّ مِمَّا أدرك الناس من كلام النُّبوة الأولى: 

إذا لَم تستح فاصنع ما شئتَ  
                                               رواه البخاري



بعد استعراض هذه النقاط، لا يمكنني إلا أن أدق ناقوس الخطر منذرا ومحذرا من هذه الفتاوي ومن مصدريها، متسائلا، ما هو الدور الذي تلعبه الهيئات العلمية الرسمية على مستوى  كل بلد إسلامي وعلى على مستوى الأمة برمتها. فلم أشاهد أية ردة فعل لدى وزارة الأوقاف المغربية بخصوص هذه الفتوى وكأنها تقول في سكوتها الذي يلمع رضا: " لا طاقة لنا بشؤون إخواننا المسلمين في الجزائر..و لا بفتاوي الزمزمي".

ولا يسعني في هذا المقام إلى أن أنقل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: 
غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ عَلَى أُمَّتي مِنَ الدَّجَّالِ الأئمَّةُ المُضلُّونَ